تحليل أساسي بيئة الاستثمار ورؤية الإصلاح الذكي: حتمية الانتقال من غزارة التشريعات إلى قياس الأثر الاقتصادي

admin

Administrator
طاقم الإدارة
على مدار أكثر من عقد كامل، لم تتوقف الجهود الرامية للبحث عن صيغ جديدة لتحسين مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وكانت المعادلة السائدة تقتضي أنه كلما أظهرت مؤشرات التدفقات الاستثمارية تباطؤاً، أو واجه القطاع الخاص عقبة ميدانية، كان رد الفعل التلقائي هو الاستجابة السريعة بإضافة حافز جديد، أو سن تعديل تشريعي، أو إطلاق مبادرة قطاعية، أو إنشاء هيكل إداري ومؤسسي جديد.

وبمرور الوقت، تراكم رصيد ضخم من القوانين واللوائح والحوافز والبرامج الموجهة لخدمة بيئة الأعمال. غير أن النتيجة الواقعية لم تتطابق مع حجم هذا الجهد المتواصل؛ إذ لم يطرأ على مناخ الاستثمار القفزة التنافسية الكافية التي تمكنه من استقطاب التدفقات الأجنبية المباشرة المأمولة، بالقدر الذي يعكس حجم التيسيرات المُقرّة على الورق.

مفترق الطرق: من التراكم الإجرائي إلى التقييم الفعلي

أمام هذا المشهد، ينبغي الانتقال من التناول الإجرائي التقليدي إلى طرح السؤال الأكثر مفصلية في إدارة ملف الاستثمار اليوم. فالسؤال الحقيقي ليس: «ما هي الإجراءات الجديدة التي يجب اتخاذها لتشجيع الاستثمار؟»، بل: «ماذا حققت كل الإجراءات والحوافز والاستراتيجيات التي اتُخذت بالفعل خلال العقد الماضي؟ وهل ترجمت المخرجات الفعلية الأهداف الاستراتيجية التي صُممت من أجلها تلك التشريعات؟».

إن هذه النقلة في صياغة السؤال تعد تغييراً جوهرياً في منهجية إدارة الملف الاقتصادي برمته، ونقلة نوعية تدفع نحو التحول من منطق «تثبيت النوايا بإنتاج النصوص» إلى منطق «التقييم المستمر بالنتائج والمخرجات الملموسة».

الفجوة التنفيذية: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

لا تعاني البيئة الاقتصادية اليوم من عجز في الأفكار، أو نقص في التوصيات وأوراق السياسات المصممة لإصلاح بيئة الأعمال. فقد جرى عمل حثيث على مسار إصلاحي واسع شمل تحديث الإطار التشريعي للحوافز والضمانات، وتبسيط مسارات التأسيس والتراخيص، وتطوير منظومة الأراضي الصناعية، وإنشاء منصات الشباك الواحد، إلى جانب تطبيق حزم تيسيرية على صعيد المنظومتين الضريبية والجمركية.

لكن الفجوة القائمة تعود إلى غياب حلقة موازية ومكافئة بالغة الأهمية، وهي المنظومة الوطنية لقياس الأثر وتتبع النتائج. وتُظهر التجربة العملية أنه كلما ظهر تعثر في النشاط الاستثماري، يميل النهج الإداري إلى تفادي مراجعة الأسباب الجذرية، والاستعاضة عن ذلك بإضافة طبقة جديدة من الإجراءات واللجان والاستراتيجيات.

ماذا لو لم تكن المشكلة يوماً في غياب النص القانوني، وإنما في إعاقة تنفيذه على الميدان؟ وماذا لو كان التشريع مناسباً للغاية، لكن اللائحة التنفيذية أو التطبيق البيروقراطي صادر روحه؟ في مثل هذه الحالات، لن تؤدي إضافة حافز جديد إلى معالجة العلة، بل ستزيد البيئة التنظيمية تعقيداً.

محاور التقييم الاقتصادي الجاد

يرتكز أي تقييم اقتصادي جاد وهادف إلى معالجة الخلل على أربعة محاور حاسمة:

  • المستهدف: ماذا وعدت السياسة الاقتصادية بجمعه أو تحقيقه؟
  • المنفذ: ما الذي جرى تطبيقه وتفعيله فعلياً على أرض الواقع؟
  • المتحقق: ما الأثر الاقتصادي الحقيقي الناجم عن هذا التطبيق؟
  • التحليل والوقوف على الأسباب (لماذا): فهم الفجوة بين المستهدف والمتحقق لتفادي الانحرافات التشريعية والتنفيذية.

إن تشخيص هذه المحاور هو الفارق الأساسي بين إجراء تقييم اقتصادي حقيقي، وبين الاكتفاء بإعداد تقارير متابعة إدارية صماء لا تقدم حلولاً ملموسة.

تصنيف منظومة الحوافز والقرارات

يتطلب الوضع الراهن مراجعة شاملة لكافة مكونات منظومة تشجيع الاستثمار، وتصنيف القرارات والحوافز القائمة ضمن أربع مجموعات عمل واضحة:

  • المجموعة الأولى: سياسات أثبتت فاعليتها وتستحق الاستمرار والتوسع.
  • المجموعة الثانية: إجراءات حققت نتائج جزئية وتحتاج إلى إعادة ضبط وتعديل.
  • المجموعة الثالث: حوافز لم تحقق أهدافها الاقتصادية وتتطلب إعادة تصميم جذري.
  • المجموعة الرابعة: تشريعات وقرارات لم تُنفّذ أصلاً على أرض الواقع، وتقتضي الوقوف بدقة على أسباب تعطيلها.

خارطة طريق مقترحة: الهدنة التنظيمية ووحدة قياس الأثر

إن القرار الأكثر حصافة وأهمية اليوم ليس تدشين حزمة استراتيجيات جديدة، بل إقرار «هدنة تنظيمية» مؤقتة، تتمثل في التوقف التام عن إطلاق حوافز أو إجراءات جديدة لفترة زمنية محددة، والتفرغ الكامل لتقييم واختبار كافة السياسات المعمول بها.

ولتطبيق هذا التوجه بشكل عملي، نقترح إنشاء وحدة وطنية متخصصة ومحترفة تتبع مجلس الوزراء مباشرة، تُسمى «وحدة قياس أثر السياسات والبرامج»، وتتلخص مهامها في الآتي:

  • حصر جميع السياسات والحوافز والاستراتيجيات الاستثمارية القائمة وإنشاء قاعدة بيانات موحدة لها.
  • تحديد أهداف ومؤشرات قياس واضحة وقابلة للتنفيذ لكل سياسة اقتصادية.
  • مراجعة ما تم تنفيذه وما لم يُنفذ، والوقوف على الأسباب الفنية والإدارية للتعطيل.
  • قياس الأثر الفعلي ومقارنته بالمستهدف، وتقدير التكلفة والعائد الاقتصادي والمالي والاجتماعي.
  • تقديم توصيات علمية حاسمة بشأن كل سياسة: سواء بالاستمرار، أو التعديل، أو التوسع، أو الإلغاء.

إن الانتقال إلى هذا النموذج الذكي في إدارة الاقتصاد سيضمن رفع كفاءة الإنفاق، وحوكمة الموارد، وتقليل تكلفة الخطأ الاقتصادي، لتصبح القواعد أكثر استقراراً والقرارات أكثر قابليّة للتنبؤ.

شاركونا النقاش

كيف ترون سبل تبسيط الإجراءات الاستثمارية وتجاوز العقبات البيروقراطية في بيئتنا العربية؟ وما هي أكثر الحوافز التي تجدونها مؤثرة بشكل حقيقي على أرض الواقع؟ شاركونا آراءكم وتجاربكم في التعليقات.
 
عودة
أعلى

AdBlock Detected

We apologize, but you must disable AdBlock to view this site.

We rely on advertisements to support the continuity of the site and provide the best content.